ابن تيمية

36

مجموعة الرسائل والمسائل

عربي مبين " فقد بين سبحانه أن القرآن الذي يبدل منه آية مكان آية نزله الروح القدس وهو جبريل - وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك في موضع آخر - من الله بالحق ، وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال : " إنما يعلمه بشر " كما قال بعض المشركين يعلمه رجل بمكة أعجمي ، فقال تعالى : " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي " أي الذي يضيفون إليه هذا التعليم أعجمي " وهذا لسان عربي مبين " ففي هذا ما يدل على أن الآيات التي هي لسان عربي مبين نزلها روح القدس من الله بالحق كما قال في الآية الأخرى : " أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين " والكتاب الذي أنزل مفصلاً هو القرآن العربي باتفاق الناس ، وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق ، والعلم لا يكون إلا حقاً فقال " يعلمون " ولم يقل يقولون ، فإن العلم لا يكون إلا حقاً بخلاف القول ، وذكر علمهم ذكر مستشهداً به ، وقد فرق سبحانه بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى في قوله تعالى : " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح - إلى قوله - حجة بعد الرسل " فرق سبحانه بين تكليمه لموسى وبين إيحائه لغيره ووكد تكليمه لموسى بالمصدر ، وقال تعالى : " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض - إلى قوله - روح القدس " . وقال تعالى : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً " إلى آخر السورة ، فقد بين سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد الأوجه الثلاثة ، إما حياً وإما من وراء حجاب وإما أن يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ، فجعل الوحي غير التكليم والتكليم من وراء حجاب كان لموسى ، وقد أخبر في غير موضع أنه ناداه كما قال : " وناديناه من جانب الطور " الآية . وقال : " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن " الآية ، والنداء باتفاق أهل اللغة لا يكون إلا صوتاً مسموعاً ، فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم ، وأهل الكتاب يقولون إن موسى ناداه ربه نداء سمعه